إعداد وتقديم الشيخ الدكتور إبراهيم بدوي
قصة سليمان عليه السلام هي واحدة من أعظم قصص الأنبياء في القرآن الكريم. سليمان بن داود عليهما السلام، نبي الله وملك بني إسرائيل، آتاه الله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده. سخّر له الريح والجن والطير، وعلمه منطق الطير والحيوان.
عُرف النبي سليمان بحكمته وعدله، وفي قصته عبر عظيمة ومعجزات باهرة تدل على قدرة الله وعظمته. لذلك، نستعرض قصة سليمان عليه السلام كاملة عبر ثماني حلقات مشوقة.
منذ صباه، أظهر سليمان عليه السلام فطنة وحكمة نادرتين. يروي القرآن قصته مع المرأتين اللتين تتنازعتا على طفل، وكيف حكم بحكمته البالغة التي أذهلت الحاضرين.
بالإضافة إلى ذلك، كانت هذه الحادثة بداية إظهار الله لحكمة سليمان للناس جميعاً. لذلك استحق بجدارة لقب “سليمان الحكيم”. ومن هنا، تعلّمنا أن الحكمة الحقيقية هي نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، وأن العدل أساس الملك.
يمكنك الاطلاع على الآيات في سورة الأنبياء: 78-82.
بينما كان سليمان عليه السلام يسير بجنده من الجن والإنس والطير، مرّ بوادي النمل. سمعت نملة تحذّر قومها قائلة: {ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنده وهم لا يشعرون}.
هنا، تبسّم سليمان ضاحكاً من قولها، وشكر الله على نعمته. وهكذا، تعلّمنا هذه القصة العجيبة أن الله أعطى سليمان فهماً لأصوات المخلوقات. كما أنها تذكّرنا بقدرة الله الذي لا يخلو علمه عن شيء في الأرض ولا في السماء.
تفقّد سليمان عليه السلام الطير في مملكته، فافتقد الهدهد. غضب وتوعد بعقابه، لكن الهدهد عاد بخبر عظيم من سبأ. مملكة في اليمن يحكمها قوم يعبدون الشمس من دون الله.
لذلك، أرسل سليمان رسالة إلى ملكة سبأ يدعوهم فيها إلى التوحيد. كانت هذه بداية قصة تغيير مملكة بأكملها. ومن هنا، علّمتني هذه القصة أهمية الصبر والتثبت قبل اتخاذ القرارات، وأن العلم قد يأتي من حيث لا نحتسب.
بلقيس، ملكة سبأ، امرأة حكيمة وقوية تملك مملكة عظيمة. عندما وصلتها رسالة سليمان عليه السلام، جمعت مستشاريها وأرادت مشورتهم. لم تكن متسرعة بل فكّرت ملياً وأرسلت بهدية ثمينة.
المفاجأة أن سليمان رفض الهدية وأرسل بجيش قوي. ولكن، حكمتها جعلتها تسلم لله رب العالمين قبل أن يدخل جيش سليمان مملكتها. وهكذا، تعلّمنا من بلقيس أن الحكمة والتأني من أروع صفات القائد، وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه.
هل كان سليمان عليه السلام نبياً أم ملكاً؟ الحقيقة أنه كان كليهما — نبي يوحى إليه وملك تسخر له الدنيا. طلب سليمان من ربه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فاستجاب الله له.
سخّر الله له الرياح تجري بأمره، والجن يعملون بين يديه، والشياطين مقرنين في الأصفاد. بالإضافة إلى ذلك، تذكّرنا قصة سليمان أن الملك الحقيقي هو من يخضع لخالقه ويتواضع له. فرغم كل هذا الملك، كان سليمان أوّاباً منيباً، كثير الرجوع إلى الله.
تحدّى عفريت من الجن أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مقامه. لكن الذي عنده علم من الكتاب قال: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}. فإذا بعرش بلقيس حاضر في طرفة عين.
هنا، أراد سليمان عليه السلام أن يري بلقيس قدرة الله، فغيّر لها العرش قليلاً وسألها: {أهكذا عرشك؟} فقالت: {كأنه هو}. وهكذا، تظهر هذه القصة أن علم الله وإذنه يفوق كل قوة في هذا الوجود.
عندما دخلت بلقيس إلى الصرح، رأت أرضية من زجاج شفاف يجري تحتها الماء فظنته لجة وكشفت عن ساقيها! فقال سليمان عليه السلام: {إنه صرح ممرد من قوارير}.
هذه المعجزة البصرية جعلت بلقيس توقن بأن سليمان ليس مجرد ملك بشري، بل نبي مرسل من الله. قالت: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}. لذلك، تعتبر توبة بلقيس وإيمانها من أروع لحظات قصة سليمان عليه السلام.
ومات سليمان عليه السلام ميتة عجيبة، وهو قائم يصلي متوكئاً على عصاه. ظل الجن يعملون حوله وهم لا يعلمون أنه مات، حتى أرسلت الأرض دودة الأرض تأكل عصاه فسقط.
حينها فقط علم الناس أن سليمان قد مات. ولو كانوا يعلمون الغيب لما استمروا في العمل الشاق. وفي هذه القصة عبرة عظيمة: لا يعلم الغيب إلا الله وحده، وأن الموت يأتي بغتة فلا يغفلنّ أحدنا عن الاستعداد له. وهكذا تنتهي قصة سليمان عليه السلام بموعظة بليغة.
قال الله تعالى: سورة سبأ: 14.